أبو نصر الفارابي
29
الجمع بين رأيي الحكيمين
ذاته مفتقر للآخر متمم له . فهما يتميزان بالفكر ولا ينفصلان في الواقع : فلا توجد هيولى بدون صورة ولا الصور الطبيعية بدون هيولى . ( ملاحظة : يعتقد أرسطو بصور مفارقة للمادة كاللّه والنفس قبل اتصالها بالجسم وبعد انفصالها عنه ) . والصور الطبيعية « طبيعة » الشيء ، اي انها محل خصائصه ومصدر افعاله . فتمايز الافعال والخصائص يرجع إلى تمايز الصور لا إلى اختلاف في شكل المادة ومقدارها . بذلك يفسر أرسطو اطراد الظواهر في الأشياء . فإذا كنا نرى مثلا الاوكسيجين والهيدروجين يميلان للائتلاف بمقادير محدودة ويكونان ماء فذلك راجع إلى أن في كل منهما ، عدا المادة ، مبدأ يعطيه خصائصه . وكذلك يقال في جميع العناصر والموجودات الحية ، كلها تعمل بحسب صورتها وطبيعتها لا بحسب مادتها وكميتها ، وكلها تعمل طبقا لغاية مرتسمة فيها لا اتفاقا . فالهيولى والصورة علتان ذاتيتان يتكوّن منهما الشيء ، ويعلم بهما . على أن العلة تقال أيضا على نحوين آخرين : الواحد ما تصدر عنه بداية الحركة والسكون ، وهي العلة الفاعلية ؛ والثاني الغاية التي تقصد إليها الحركة ، وهي العلة الغائية . فتكون العلل أربعا : علة مادية ، وصورية ، وفاعلية ، وغائية . فمثلا العلة المادية للمائدة هو الخشب والعلة الصورية هو شكل المائدة الذي انطبع على الخشب ، والعلة الفاعلية هو النجار الذي طبع الصورة على المادة ، والعلة الغائية هو الغرض الذي لأجله صنع النجار هذه المائدة . الحركة : ما أصل هذه الصور ؟ من الذي وضعها في المادة فجعل العالم معقولا ؟ كان أفلاطون قد فطن إلى أن العالم مفتقر إلى علة ، فقال بالصانع ينظم المادة ويطبع فيها صور المثل . ولكن أرسطو لم يتابعه في هذه الفكرة ، وارتأى ان ظاهرة واحدة في الطبيعة تفتقر إلى علة فائقة للطبيعة ، هي ظاهرة الحركة ؛ فاثبت للطبيعة محركا أول . واما عن التحريك فقد ارتأى أرسطو في بادئ الامر ان اللّه يحرك العالم كعلة فاعلية ، ولكن تراجع عن هذا الرأي لان المماسة ضرورية للتحريك ( المماسة بين المحرك والمتحرك ) وكيف يجوز على اللّه مماسة العالم واللّه غير مادي ؟ لذلك انتهى أرسطو إلى أن اللّه يحرك العالم كعلة غائية ؟ وشرح ذلك بقوله « ان السماوات تشتهي ان تحيا حياة شبيهة بحياة المحرك ، ولكنها لا تستطيع لأنها مادية ، فتحاكيها بالتحرك حركة متصلة دائرية . » اما عن أصل العالم والحركة فإنه كان يعتقد بقدمهما . وله في ذلك حجج : العلة